أحمد زكي صفوت

494

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة

فلما احتضر بعث إلى عمر ، فولّاه ، فسمعنا وأطعنا ، وبايعنا ، وناصحنا ، وتولّى عمر الأمر ، فكان مرضىّ السّيرة ، ميمون النّقيبة « 1 » أيام حياته ، حتى إذا احتضر قلت في نفسي : لن يعد لها عنى ، ليس يدافعنى عنها ، فجعلها عمر شورى ، وجعلني سادس ستّة ، فلما كانوا لو لاية أحد منهم أشدّ كراهة لو لايتى عليهم ، لأنهم كانوا يسمعوننى عند وفاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأنا أحاجّ أبا بكر فأقول : يا معشر قريش ، إنا أهل البيت أحقّ بهذا الأمر منكم ، ما كان فينا من يقرأ القرآن ، ويعرف السّنّة ، وبدين بدين الحق ، فخشى القوم إن أنا وليت عليهم أن لا يكون لهم في هذا الأمر نصيب ما بقوا ، فأجمعوا إجماعا واحدا ، فصرفوا الولاية عنى إلى عثمان ، وأخرجوني منها ، رجاء أن ينالوها ويتداولوها ، إذ يئسوا أن ينالوها من قبلي ، ثم قالوا لي : هلمّ فبايع عثمان وإلّا جاهدناك ، فبايعت مستكرها « 2 » ، وصبرت محتسبا ، فقال قائلهم : إنك يا بن أبي طالب على هذا الأمر لحريص ، فقلت لهم : أنتم أحرص منى وأبعد ، أينا أحرص ، أنا الذي طلبت ميراث ابن أبي وحقي الذي جعلني اللّه ورسوله أولى به ، أم أنتم إذ تضربون وجهي دونه ، وتحولون بيني وبينه ؟ فبهتوا ، واللّه لا يهدى القوم الظالمين ، اللهم إني أستعديك « 3 » على قريش ، فإنهم قطعوا رحمي ، وأضاعونى ، وصغّروا عظيم منزلتي وفضلى ، واجتمعوا على منازعتي حقّا كنت أولى به منهم فسلبونيه ، ثم قالوا : ألا إن في الحق أن تأخذه ، وفي الحق أن تمنعه ، فاصبر كمدا ، أو مت أسفا حنيقا « 4 » ، فنظرت فإذا ليس معي رافد « 5 » ، ولا ذابّ ، ولا ناصر ، ولا مساعد إلا أهل بيتي ، فضننت بهم عن المنيّة ، فأغضيت عيني على

--> ( 1 ) النقيبة : النفس والطبيعة . ( 2 ) يقال : امرأة مستكرهة بكسر الراء : أي غصبت نفسها ( بالبناء للمجهول ) فأكرهت على ذلك ( 3 ) استعداه : استعانه واستنصره . ( 4 ) الحنق بالتحريك : شدة الاغتياظ ، حنق عليه كفرح فهو حنق كفرح وحنيق ، وفي ابن أبي الحديد « حميقا » وهو تحريف . ( 5 ) الرافد : الواصل ، من الرفد بالكسر وهو الصلة ، والذاب : الدافع .